المقريزي

530

إمتاع الأسماع

ولم يلق المسلمون حربا مثلها قط ، وانهزم المسلمون ، وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد ، فزال خالد عن الفسطاط ودخلوا إلى مجاعة وهو عند امرأة خالد ، وكان سلمه إليها ، فأرادوا قتلها ، فنهاهم مجاعة عن قتلها وقال : أنا لها جار ، فتركوها ، وقال لهم : عليكم بالرجال ، فقطعوا الفسطاط . ثم إن المسلمين تداعوا ، فقال ثابت بن قيس : بئس ما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين ! اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء ، يعني أهل اليمامة ، وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء ، يعني المسلمين ، ثم قاتل حتى قتل . وقال زيد بن الخطاب : لا نحور بعد الرجال ، والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم أو أقتل فأكلمه بحجتي . غضوا أبصاركم وعضوا على أضراسكم أيها الناس ، واضربوا في عدوكم وامضوا قدما . وقال أبو حذيفة : يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال . وحمل خالد في الناس حتى ردوهم إلى أبعد مما كانوا ، واشتد القتال وتذامرت بنو حنيفة وقاتلت قتالا شديدا ، وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين وتارة للكافرين وقتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم من أولي البصائر . فلما رأى خالد ما الناس فيه قال : امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حي ولنعلم من أين نؤتي . فامتازوا ، وكان أهل البوادي قد جنبوا المهاجرين والأنصار وجنبهم المهاجرون والأنصار . فلما امتازوا قال بعضهم لبعض : اليوم يستحي من الفرار ، فما رئي يوم كان أعظم نكاية من ذلك اليوم ، ولم يدر أي الفريقين كان أعظم نكاية ، غير أن القتل كان في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منه في أهل الوادي . وثبت مسيلمة فدارت رحاهم عليه ، فعرف خالد أنها لا تركد إلا بقتل مسيلمة ، ولم تحفل بنو حنيفة بمن قتل منهم . ثم برز خالد ودعا إلى البراز ونادى بشعارهم ، وكان شعارهم : يا محمداه ! فلم يبرز إليه أحد إلا قتله . ودارت رحا المسلمين ، ودعا خالد مسيلمة فأجابه ، فعرض عليه أشياء مما يشتهي مسيلمة فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه ليستشير شيطانه فينهاه أن يقبل . فأعرض بوجهه مرة وركبه خالد وأرهقه ، فأدبر وزال أصحابه ، وصاح خالد في الناس فركبوهم ، فكانت هزيمتهم ، وقالوا لمسيلمة : أين ما كنت تعدنا ؟ فقال : قاتلوا عن أحسابكم . ونادى المحكم : يا بني حنيفة الحديقة الحديقة ! فدخلوها وأغلقوا عليهم بابها . وكان البراء بن مالك ، وهو أخو أسد بن مالك ، إذا حضر الحرب أخذته رعدة حتى يقعد عليه الرجال ثم يبول ، فإذا بال ثار كما يثور الأسد ، فأصابه